فخر الدين الرازي
412
المطالب العالية من العلم الإلهي
ذلك التعلق ، لأن العشق قد بلغ في القوة والكمال ، إلى حيث لا يمكن إزالته . وعلم الإله الحكيم أيضا أمرا ثالثا ، وهو : أن النفس لا « 1 » تقدر على التركيب الجيد ، بل لو وقع الاقتصار على ما تتولاه النفس بذاتها ، لكانت [ تلك « 2 » ] التركيبات فاسدة ، سريعة البطلان . فكان تحصل الآلام الشديدة الكثيرة « 3 » بسرعة تلك التركيبات ، فلما علم الإله الحكيم الرحيم هذه المعاني الثلاثة « 4 » ، علم بأن الأصوب الأصلح : أن تركب [ الأجسام « 5 » ] التي حاولت النفس التعلق بها على التركيب الأقرب إلى الصلاح ، والأبعد عن قبول الفساد ، حتى تكثر الخيرات ، وتقل الآفات ، بحسب الإمكان . ثم إنه تعالى يفيض نور العقل على جوهر النفس ، حتى يظهر له بسبب نور العقل : أن الآفات الحاصلة [ في هذا التركيب « 6 » ] أكثر من الخيرات الحاصلة فيه . فحينئذ ينفر طبع النفس عن الاختلاط بالهيولى ، وتعود إلى عالمها فارغة ، مطهرة عن الالتفات إلى عالم الهيولى » قال : « وعلى هذا الطريق فتلك الدلائل الثلاثة غير واردة » . أما الحجة الأولى : وهي [ قولهم « 7 » ] « إنه كيف يليق بالفاعل أن ينتقل من الترك [ إلى الفعل « 8 » ] لا لحكمة » . فهذا غير وارد هاهنا . لأن هذا ، وإن كان غير لائق بالفاعل الحكيم ، إلا أنه لا يليق بالفاعل الجاهل العابث . ثم إذا أقدم الفاعل الجاهل العابث على فعل لا ينبغي ، وعلم الفاعل الحكيم أنه لا يمكن دفعه عنه ، كان الفاعل الحكيم معذورا في أن يصرف ذلك الفعل إلى الوجه الأصوب الأصلح فيه بحسب الإمكان .
--> ( 1 ) كما تقدر على التركيب الجبلي ( ت ) . ( 2 ) من ( ط ) . ( 3 ) الكثيرة شرعا وفساد تلك ( ت ) . ( 4 ) الثابت ( ت ) . ( 5 ) من ( ط ) . ( 6 ) من ( ت ) . ( 7 ) من ( ط ) . ( 8 ) من ( ط ) .